أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

 جلال الدين الرومي: من فقه الكلمات إلى فقه القلوب.. رحلة الكيمياء المقدسة


في مدينة "قونية" العريقة، كان جلال الدين الرومي يمثل القمة في كل شيء؛ العلم، الوقار، والمنصب. كان يُشار إليه بالبنان كـ "سلطان العلماء". لكن تحت هذا الوقار، كان هناك قلبٌ يضج بالأسئلة الصامتة، يبحث عن شيء لا توفره المجلدات الضخمة ولا فتاوى الفقهاء.

1. الزلزال الروحي: حين التقى القطب بالقطب

كان الرومي يمتطي بغلته وحوله تلاميذه، حين اعترضه رجلٌ رثّ الثياب، غريب الملامح، هو شمس التبريزي. لم يسأله شمس عن الفقه أو الشريعة، بل سأله سؤالاً ضرب في مقتل: "ما الغرض من العلم؟" فأجاب الرومي بزهو العلماء: "اتباع السنة والآداب". فقال شمس بابتسامة غامضة: "هذا ما يقوله العوام، أما الغرض من العلم فهو الوصول إلى المعلوم (الله)!"

في تلك اللحظة، سقطت الكتب من يد الرومي، وسقطت معها هيبته المصطنعة. أدرك أن شمس ليس مجرد عابر سبيل، بل هو "مرآة" أرسلها القدر ليرى فيها الرومي حقيقة نفسه التي ضاعت وسط ألقاب العلماء.

2. الخلوة: أربعون يوماً من صمت الشفاه ونطق الروح

دخل الرومي وشمس في خلوة لم يُسمع فيها صوت. كانت لغة التواصل هي "الحال" لا "المقال". في هذه الخلوة، قام شمس بـ "تفكيك" الرومي القديم. علمه أن الحب لا يُدرس في الكتب، بل يُعاش في المواجد. قال له شمس: "إذا أردت أن تصل إلى النور، يجب أن تحترق أولاً". خرج الرومي من الخلوة وهو يقول: "كنتُ نيئاً، فنضجتُ، فاحترقتُ". لم يعد يهمه الدرس أو المنبر، بل صار يهيم في الطرقات يبحث عن جمال الله في كل وجه يراه.

3. عذاب الفراق وفلسفة "الناي"

حين اختفى شمس فجأة، تحول حزن الرومي إلى طاقة إبداعية لم يشهدها الأدب العالمي. بدأ يكتب ملحمته "المثنوي"، واستهلها بـ "أغنية الناي". كان الرومي يرى أن الإنسان يشبه الناي؛ قطعة من القصب قُطعت من منبتها (عالم الأرواح)، فهي تحنّ دائماً للعودة، وهذا الأنين هو الذي يصنع الموسيقى الحزينة والجميلة في آن واحد. كل أبيات الرومي كانت محاولة لترجمة هذا الحنين، ولإخبار العالم أن الحزن على فراق المحبوب هو أقصر طريق للوصول إليه.

4. رقصة السما: الصعود إلى السماء وأنت على الأرض

لم تكن رقصة الدراويش المولوية مجرد حركة، بل كانت "هندسة روحية".

  • القبعة الطويلة: ترمز لشاهد القبر (موت الأنا).
  • الثوب الأبيض الواسع: يرمز للكفن (التجرد من الدنيا).
  • الدوران: يرمز لدوران الكون من الذرة إلى المجرة حول مركز واحد وهو "الحق". كان الرومي يدور ويقول: "في داخلنا شمسٌ لا تغيب، وقمرٌ لا يأفل". كان يريد أن يثبت أن الجسد يمكن أن يصبح وسيلة للتحليق في ملكوت الله إذا تحرك بدافع الحب.

5. رسالة الرومي للإنسان المعاصر (عبر Haitham TV)

في عالمنا اليوم الذي يقدس "المادة" و"السرعة"، تأتي قصة الرومي لتضع بين أيدينا مفاتيح السلام الداخلي:

  • تقبل الجروح: "الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك"؛ لا تحزن على انكساراتك، فهي بدايات نهوضك الروحي.
  • الوحدة الإنسانية: "أنا لست من الشرق ولا من الغرب، لست مسيحياً ولا يهودياً ولا مسلماً.."؛ كان الرومي يدعو للدين القلبي الذي يجمع كل البشر تحت خيمة الحب الإلهي.
  • البحث في الداخل: "لقد كنت أطرق باب الله من الخارج، وحين فُتح الباب اكتشفت أنني كنت أطرق من الداخل!".


خاتمة:

إن جلال الدين الرومي لم يمت في قونية، بل هو حيّ في كل قلب يرتجف شوقاً للجمال، وفي كل روح تبحث عن الحقيقة خلف حجاب المظاهر. في Haitham TV، ندعوكم ألا تكتفوا بقراءة قصة الرومي، بل أن تبدأوا "رقصتكم" الخاصة نحو الحقيقة.

كلمة أخيرة: هل تشعر أحياناً بذلك "الحنين" الذي وصفه الرومي في نايِه؟ شاركنا تجربتك الروحية وكيف تتعامل مع لحظات الضياع لتبحث عن شمسك الداخلية.

 

 إن رحلة البحث عن "الحقيقة" لا تنتهي بانتهاء قصة وليّ أو زاهد، بل هي رحلة مستمرة تبدأ من قلبك وتنتهي عند نبع اليقين. نحن في Haitham TV نسعى دائماً لنكون رفيقكم في هذه الرحلة البصرية والروحية.

للمزيد من الإبحار في ملكوت الروح: إذا شعرت أن هذه القصة قد حركت فيك سكوناً، أو أيقظت في روحك تساؤلاً، فنحن ندعوك لاستكمال الرحلة معنا. لقراءة المزيد من القصص الروحية التي تلامس الروح، وتصفح المقالات العميقة التي تغذي وجدانك، تفضل بزيارة موقعنا الشقيق: 👉 www.haithamsoul.online

تعليقات