أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

طي المسافة البعيدة وتأثير تكرار الآية: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾

 طي المسافة البعيدة وتأثير تكرار الآية: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾



يتقاطع مفهوم "طَيّ المسافة البعيدة" في التراث الصوفي والروحي مع الحقيقة القرآنية المطلقة، المتمثلة في الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا (المعارج: 6-7)، ليشكلا معاً إدراكاً عميقاً لوحدة الزمان والمكان في علم الله تعالى، وتأثير هذا الإدراك على قلب السالك.المفهوم الروحي لـ "طيّ المسافة"


"طيّ المسافة" هو مصطلح صوفي يُقصد به القدرة الخارقة على اجتياز مسافات شاسعة في زمن قليل جداً، وهي كرامة أو حالة روحية تُمنح لبعض الأولياء نتيجة صفاء نفوسهم وكمال قربهم من الله. هذا المفهوم يعكس أن الزمان والمكان في حقيقتهما ليسا سوى أبعاد نسبية في إطار الوجود المخلوق، ويمكن للقوة الإلهية أن تطوي هذه الأبعاد.الحقيقة القرآنية: قرب البعيد في الرؤية الإلهية


تأتي الآية ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا في سياق الحديث عن العذاب الواقع أو يوم القيامة، وتفسر على النحو التالي:

  • رؤية الكافرين (بعيدًا): يرى الكافرون وقوع العذاب أو قيام الساعة بعيدًا؛ أي مستبعداً أو غير كائن، وهو كناية عن الإحالة والإنكار لعدم إيمانهم به. فالمدى الزمني الطويل بين الوعد والوقوع يجعلهم يستبعدونه.

  • رؤية الله (قريبًا): يرى الله سبحانه وتعالى هذا اليوم قريبًا. لأن ما هو آتٍ فهو قريب، وهو كناية عن تحقق وقوعه على سبيل المبالغة في التحقق والثقة في وعد الله.

  • الفرق بين الرؤيتين: يُبين هذا التباين أن مقاييس الزمن والمسافة تختلف جذرياً بين الخالق والمخلوق؛ فما هو بعيد في تقدير البشر القائم على الإدراك المحدود، هو قريب وواقع لا محالة في علم الله المطلق.

تأثير تكرار الآية وربطها بـ "طيّ المسافة"


إن تكرار هذه الآية في سياق روحي يربطها بمفهوم "طيّ المسافة البعيدة" يضاعف من تأثيرها على قلب المؤمن في عدة أوجه:

  1. طيّ الزمن الروحي: تكرار الآية يُرسخ في القلب أن المسافة الزمنية لتحقق الأهداف الروحية أو لقاء الله قريبة، مهما طالت سنين العمر في الحساب البشري. هذا يمنح السالك طاقة الصبر الجميل الذي أمر به النبي ﷺ في الآية التي سبقتها: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾.

  2. توحيد المقصد: يُمثل تكرار الآية تذكيراً بأن كل مسافات الدنيا تُطوى وتُختزل أمام يقين الآخرة. فالمؤمن الذي يرى "القرب" الإلهي، يطوي مسافة الغفلة والتعلق بالبعيد الزائل، ويتجه بقلبه إلى "القريب" الباقي.

  3. تحقيق اليقين: تتحول استعارة "الطيّ" من مجرد كرامة حسية إلى حالة روحية متسامية، حيث يصبح اليقين بموعود الله وتحققه وشيكاً لدرجة أنه يُرى كأنه قريب الآن، وهذا هو جوهر "طيّ المسافة" الروحي.

باختصار، فإن دمج المفهوم الصوفي "طيّ المسافة" مع الحقيقة القرآنية ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا هو دعوة للاستعجال القلبي بـ "طيّ" مسافات الغفلة و"قرب" اليقين، والعيش برؤية إيمانية تعتبر كل ما وُعد به الله واقعاً قريباً، مهما كان بعيداً في مقاييس المُنكرين أو المُستبعدين.


تعليقات